عثمان بن سعيد الدارمي

8

الرد على الجهمية

أصحاب الملل والمعتقدات ، والأهواء والضلالات ممن عضّهم الحقد بنابه ، وألبسهم الخوف من عدل الإسلام قناع النفاق ، أصبح طبيعيا أن ينتشئ علم الكلام ، فأدخل في الدين ما لم يأذن به اللّه ، وعطّل منه ما يمكن أن ينسب معه الإنسان إلى الكفر فضلا عن الضلال ، خاصة بعد اعتماد مناهج الكتب المترجمة عن فلاسفة اليونان ، وزندقة المجوس ، وحكماء الهنود . فأضحى الناس يومئذ شيعا وأحزابا ، كلّ حزب بما لديهم فرحون . فخاض الخائضون في علم الكلام المذموم ، وشمروا الساعد في الأسماء والصفات ، فعطّلوا ثم أوّلوا وبحثوا في مسائل العقيدة مسألة مسألة ، كان لهم فيها تأويلات وتفسيرات أفرزتها عقول أرضية لم ترتض كتاب اللّه منهجا ، ولا هدي النبوة مرشدا ودليلا . وإذا كان هذا هو الغالب على من سعى لهدم الإسلام في قلوب ذويه ، إلا أن الحقّ لا بدّ له من عدول ، والجوهرة لا بدّ لها من صاحب ، فبدأ الصراع بين عدول الإسلام وإفك الانحراف والضلال ، ولقد تمكن الإفك بادئ الأمر من ذيوع الصيت بقوة السلطان وابتلي الناس بعقائده ، فمن آمن بها أخذ إلى عزة الدنيا ، وخذلان الآخرة ، ومن كفر بها ألهبته السّياط بقسوتها ، ومزقته الأسنّة بحرابها ، وظل الناس في حيرة وارتباك حتى أذن اللّه بالفتح المبين ، فأخذ الحقّ نصابه على يد الخليفة المتوكل ، وسرّح العلماء من القيود ، فعمّ الخير من جديد ، وعاد الأمن إلى الربوع . وإذا كان لأحد من فضل فللّه أولا وآخرا ثم لصمود العلماء صفوة الأمة يومئذ ، ولا يعني انتهاء الفتنة على يد المتوكل أن الأفّاكين قد ضعف باطلهم ، وإنما كتموه وراء ظهورهم ، ولوّحوا به في كلّ مناسبة سرّا أو